القرطبي

335

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

فأرجله ، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الانسان ، تريد الغائط والبول . ولا خلاف في هذا بين الأمة ولا بين الأئمة ، فإذا خرج المعتكف لضرورة وما لابد له منه ورجع في فوره بعد زوال الضرورة بنى على ما مضى من اعتكافه ولا شئ عليه . ومن الضرورة المرض البين والحيض . واختلفوا في خروجه لما سوى ذلك ، فمذهب مالك ما ذكرنا ، وكذلك مذهب الشافعي وأبي حنيفة . وقال سعيد بن جبير والحسن والنخعي : يعود المريض ويشهد الجنائز ، وروى عن علي وليس بثابت عنه . وفرق إسحاق بين الاعتكاف الواجب والتطوع ، فقال في الاعتكاف الواجب : لا يعود المريض ولا يشهد الجنائز ، وقال في التطوع : يشترط حين يبتدئ حضور الجنائز وعيادة المرضى والجمعة . وقال الشافعي : يصح اشتراط الخروج من معتكفه لعيادة مريض وشهود الجنائز وغير ذلك من حوائجه . واختلف فيه عن أحمد ، فمنع منه مرة ، وقال مرة : أرجو ألا يكون به بأس . وقال الأوزاعي كما قال مالك : لا يكون في الاعتكاف شرط . قال ابن المنذر : لا يخرج المعتكف من اعتكافه إلا لما لابد له منه ، وهو الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج له . الحادية والثلاثون - واختلفوا في خروجه للجمعة ، فقالت طائفة : يخرج للجمعة ويرجع إذا سلم ، لأنه خرج إلى فرض ولا ينتقض اعتكافه . ورواه ابن الجهم عن مالك ، وبه قال أبو حنيفة ، واختاره ابن العربي وابن المنذر . ومشهور مذهب مالك أن من أراد أن يعتكف عشرة أيام أو نذر ذلك لم يعتكف إلا في المسجد الجامع ، وإذا اعتكف في غيره لزمه الخروج إلى الجمعة وبطل اعتكافه . وقال عبد الملك : يخرج إلى الجمعة فيشهدها ويرجع مكانه ويصح اعتكافه . قلت : وهو صحيح لقوله تعالى : " وأنتم عاكفون في المساجد " فعم . وأجمع العلماء على أن الاعتكاف ليس بواجب وأنه سنة ، وأجمع الجمهور من الأئمة على أن الجمعة فرض على الأعيان ، ومتى اجتمع واجبان أحدهما آكد من الاخر قدم الآكد ، فكيف إذا اجتمع مندوب وواجب ، ولم يقل أحد بترك الخروج إليها ، فكان الخروج إليها في معنى حاجة الانسان .